عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
263
اللباب في علوم الكتاب
في « وهبنا » وجهان : أصحهما : أنها معطوفة على الجملة الاسمية من قوله : « وَتِلْكَ حُجَّتُنا » وعطف الاسميّة على الفعلية وعكسه جائز . والثاني : أجازه ابن عطيّة « 1 » ، وهو أن يكون نسقا على « آتيناها » ، وردّه أبو حيّان « 2 » بأن « آتيناها » لها محلّ من الإعراب ، إمّا الخبر وإمّا الحال ، وهذه لا محلّ لها ؛ لأنها لو كانت معطوفة على الخبر أو الحال لاشترط فيها رابط ، و « كلّا » منصوب ب « هدينا » بعده . والتقدير : وكلّ واحد من هؤلاء المذكورين . فصل في المراد بالهداية اختلفوا في المراد بهذه الهداية ، وكذا في قوله : وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وقوله في آخر الآيات ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ قال بعض المحقّقين « 3 » : المراد بهذه الهداية الثّواب العظيم ، وهو الهداية إلى طريق الجنّة ؛ لقوله بعده وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وجزاء المحسنين هو الثواب ، وأمّا الإرشاد إلى الدين ، فلا يكون جزاء على عمله . وقيل : لا يبعد أن يكون المراد الهداية إلى الدّين ، وإنما كان جزاء على الإحسان الصادر منهم ؛ لأنهم اجتهدوا في طلب الحقّ ، فاللّه - تعالى - جازاهم على حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحقّ ، كقوله وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . وقيل : المراد بهذه الهداية الإرشاد إلى النّبوّة والرسالة ؛ لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلّا ذلك . فإن قيل : لو كان كذلك لكان قوله : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يقتضي أن تكون الرّسالة جزاء على عمل ، وذلك باطل . فالجواب أنّ قوله : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يحمل على الجزاء الذي هو الثّواب ، فيزول الإشكال . واعلم أنّه - تعالى - لمّا حكى عن إبراهيم أنه أظهر حجّة اللّه في التوحيد ، وذبّ عنها عدّد وجوه نعمه وإحسانه إليه .
--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 316 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 176 . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 54 .